السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

59

مفاتيح الأصول

صارف عن معانيها اللَّغوية الَّتي هي الدّعاء والنّماء والقصد فالواجب حملها على المعاني الشّرعيّة الَّتي هي الأركان المخصوصة والقدر المخرج من المال والمناسك المعروفة فلا يبقى الألفاظ المذكورة مجملة محتملة لهذه المعاني وغيرها من المجازات اللَّغوية وإن اشتركت في المجازيّة على القول بنفي الحقيقة الشرعيّة والوجه فيه ظاهر لأنّ استعمال الشّارع هذه الألفاظ في هذه المعاني بلغ في الكثرة حدّا ذهب معه الأكثرون إلى صيرورتها حقائق فيها وأنّ المتعيّن حملها عليها مع التّجرد عن القرينة مطلقا ومن المعلوم أنّ غيرها من المجازات ليس بتلك المثابة ولا توهّم فيه أحد ذلك التوهّم بل لم يثبت وروده في خطابات الشّرع فضلا عن مقاومته بالمجاز الشّائع المعروف وقيل وهل يتعيّن الحمل على المعنى اللَّغوي مع تعذّر الشّرعي على القول بالحقيقة الشرعيّة الظاهر أنّه لا يتعيّن لعدم الحصر وانتفاء ما يقتضي التّرجيح فإنّ استعمال الشّارع هذه الألفاظ في المعاني اللَّغوية إن ثبت ففي غاية النّدرة والشّذوذ كما لا يخفى على المتتبّع ومنها استعمال اللَّفظ في المعنى العرفي إذا قلنا بتقديم اللَّغة وتعذّر الحمل عليها فإنّ المعنى العرفي وإن كان مجازا على هذا القول إلا أنّ اشتهاره وكثرة استعماله يقدم على غيره كالمعنى الشّرعي على مذهب النّافي للحقيقة الشرعيّة وهل يترجّح الحمل على اللَّغوي إن قلنا بتقديم العرفي مع تعذّر الحمل عليه الظاهر العدم هنا أيضا لندرة استعمال الحقائق المهجورة في الكلام وقد يقال بتعيين المرجوح من الحقيقتين مطلقا مع تعذّر الرّاجح منهما فإن رجّحنا اللَّغويّة وتعذّر الحمل عليها تعيّن الحمل على الشرعيّة أو العرفيّة وإلَّا تعيّن الحمل على اللَّغوية لأنّ الخلاف في ترجيح أحد المعنيين يقتضي تقابل المعنيين وتكافؤهما في الجملة فمع تعذّر أحدهما يتعيّن الحمل على الآخر ولاتّفاق الفريقين على أنّ اللَّفظ المجرّد عن القرينة يجب حمله على أحد المعنيين فيمتنع الحمل على غيرها وربّما يفرق بين تعذّر الحقيقة الشّرعيّة والعرفيّة العامّة في اقتضاء الحمل على اللَّغوية بأنّ هجر اللَّغة في الأوّل من المتكلم بالقصد والشعور فاستعماله اللَّفظ في المعنى اللَّغوي نقض لغرضه بخلاف الثانية القول فيما يفرق به بين الحقيقة والمجاز وما يثبت به الأمور اللَّغويّة مفتاح يثبت الحقيقة والمجاز وسائر المطالب اللَّغويّة التّوقيفيّة بتنصيص الواضع على ذلك وهو من أقوى الأدلَّة عليه وذلك قد يسمع منه ولا إشكال ولا شبهة في اعتباره وإن كان الواضع ممّن لم يثبت عدالته ولكن هذا قليل بالنّسبة إلى غير الأعلام الشخصيّة وقد ينقل عنه وهو على قسمين أحدهما ما يحصل منه العلم وهو الَّذي يبلغ حدّ التواتر أو ينضمّ إليه قرائن بحيث يحصل بانضمام الخبر ولا إشكال ولا شبهة في اعتبار هذا القسم بعد وقوعه وهل هو واقع أو لا ذهب بعض إلى عدم وقوع التواتر لوجوه الأوّل أن اللَّغة قد أخذت من جمع قليل كالخليل وابن العلاء والأصمعي وابن أبي عمرو الشيباني وأمثالهم وهؤلاء لم يبلغوا حد التواتر فلم يحصل من خبرهم العلم خصوصا مع عدم عصمتهم وظهور أنهم لم يسمعوا اللَّغة من الواضع بل اقتبسوها من التتبع في أشعار العرب وكلماتهم فإنّ في ذلك مظنة الخطاء وفيه نظر للمنع من حصر اللَّغة في جماعة قليلة لا يتحقّق بهم التّواتر عادة ولو سلَّم فإنّما هو بالنّسبة إلى اللَّغة العربيّة كما هو مقتضى هذا الدّليل لا مطلقا الثّاني من اشتراط التّواتر استواء الطَّرفين والواسطة وذلك غير معلوم الثّبوت في جميع الأزمنة وإن علمنا به في زماننا وما قاربه بل يمكن دعوى عدمه لبعد سماع جماعة يبلغون حدّ التّواتر من الواضع لا يقال أخبرنا من شاهدناه مع بلوغهم حدّ التواتر أنّ من أخبرهم كذلك وهكذا لأنا نقول هذا ممنوع بل غاية نقلهم الأستاذ إلى أستاذ أو كتاب صحيح ولا يقال إذا تحقّق التواتر في طبقتنا فيحصل القطع بالتواتر في السّابق علينا لأنّه لو كان مخالفا لما في طبقتنا لنقل نقلا متواترا والتالي باطل فالمقدّم مثله أمّا الملازمة فلقضاء العادة بها وأمّا بطلان التالي فواضح لأنّا نقول نمنع من إفادة ذلك العلم نعم يفيد الظن وهو غير محلّ البحث وفي هذه الحجّة نظر لأنّ المراد بالتواتر هنا الأعمّ من المفيد للقطع باعتبار التّسامع والتّضافر كما في العلم بالوقائع الكثيرة والبلدان العظيمة وهذا لا يشترط فيه ملاحظة استواء الطَّبقات ويعنعن النّقل وهو كثير الوقوع جدّا فتأمل الثالث أنّ التواتر لم يتحقّق في الألفاظ المتداولة بيننا المشتهرة المحتاج إليها لوقوع الخلاف فيها المانع من التواتر فإنّهم اختلفوا في لفظة الجلالة فعن قوم أنّها سريانية وعن آخرين أنّها عربيّة وعن قوم أنّها مشتقّة وعن آخرين أنّها غير مشتقّة وكذا اختلفوا في ألفاظ الإيمان والكفر والزكاة والصّلاة وكذا اختلفوا في صيغتي الأمر والنّهي وصيغ العموم وبالجملة الألفاظ المتداولة الَّتي اختلفوا فيها كثيرة فإذا لم يتحقّق التواتر فيها فغيرها أولى لا يقال يكفي دعوى التواتر في العلم بالمعنى في الجملة كإطلاق لفظ اللَّه على الإله وإن خفي الموضوع له هل هو الذّات أو المعبوديَّة أو القادريّة لأنّا نقول إن ذلك يوجب الشك في أصل المسمّى قطعا وفي هذا